الأسبوع العربيقصص ورواياتمجلة الأديب العربي

الفصل الخامس : رواية الطيبة والوحش

الفصل الخامس : رواية الطيبة والوحش
الفصل الخامس: العقاب الصامت

بقلم/ سهير محمود عيد 
لم يصرخ.
وهذا كان غير مطمئن.
في الصباح، خرج دون كلمة.
لا نظرة.
لا تعليق.
كأن البيت كله صار غير مرئي.
الوحش حين يغضب بصمت…
يخطّط.
مرّ اليوم ثقيلًا.
الأولاد يتحركون بحذر، كأنهم يمشون فوق زجاج.
كل حركة محسوبة.
كل صوت منخفض.
عاد في المساء، جلس على الأريكة، فتح هاتفه، وتجاهل الجميع.
مرت دقائق…
ثم قال فجأة دون أن ينظر:
«من النهارده، مفيش نشاطات برا المدرسة.»
تجمّد الهواء.
رفعت رأسي:
«يعني إيه؟»
«يعني مفيش بطولات، مفيش تدريبات، مفيش دروس زيادة… ركّزوا في اللي مطلوب وبس.»
قالها بهدوء قاتل،
كأنه قرار إداري،
لا حكم بالإعدام على أحلام صغيرة.
قال الأول بصوت مهزوز:
«بس… الكابتن قال البطولة الجاية»
قاطعه ببرود:
«قلت مفيش.»
نظر الطفل إليّ.
لم يقل شيئًا.
كان ينتظر…
كما ينتظر منقذًا لا يأتي.
سكتُّ.
ليس خوفًا…
بل حسابًا.
في تلك الليلة، لم يبكِ أحد.
وهذا كان الأسوأ.
الأول جلس يحدّق في حذائه الرياضي طويلًا، ثم وضعه في الخزانة وأغلق الباب.
والثاني مسح جدول دراسته المعلّق على الحائط، ورماه في سلة المهملات.
لم يكن تمردًا.
كان انسحابًا.
دخلت غرفتهما بعد منتصف الليل.
كانا مستيقظين.
قال الأول فجأة:
«هو إحنا عملنا حاجة غلط؟»
ابتلعت غصّة في حلقي:
«لا.»
«طب ليه كل ما نفرح… يحصل كده؟»
لم أملك جوابًا.
لكنني لم أهرب.
قلت بهدوء:
«عشان في ناس… بتخاف من اللي مش عارفة تتحكم فيه.»
قال الثاني بسخرية طفولية موجعة:
«يعني بابا بيخاف مننا؟»
سؤال بسيط…
كسر داخلي شيئًا كبيرًا.
في تلك الليلة، فهمت خطة الوحش.
لم يعاقبهم لأنهم نجحوا…
بل لأنه خسر السيطرة للحظة.
والعقاب الحقيقي لم يكن منع الأنشطة.
كان الرسالة الخفية:
الفرح ثمنه غالي.
جلست وحدي في المطبخ، أراجع السنوات الماضية.
كل مرة سكتُّ فيها.
كل مرة قلت “مش وقتها”.
كل مرة أقنعت نفسي أن الصبر أمان.
اكتشفت متأخرة:
الصبر الذي لا يحمي…
خيانة.
وفي تلك اللحظة، اتخذت قرارًا لم أنطقه.
قرارًا هادئًا…
لكن نتائجه لن تكون هادئة أبدًا.
لن أواجهه بالصوت.
ولا بالدموع.
سأواجهه بالشيء الوحيد الذي يخيفه حقًا:
أن يفقد سلطته… دون أن يشعر.
يتبع…

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى